يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

119

النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه

فالجواب : إن في النصب هاهنا دلالة على معنى لا يوجد في الرفع وذلك أنك إذا قلت : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 49 ] فتقديره : إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر فهو يوجب العموم لأن قوله : ( إنا خلقنا كل شيء ) لفظ عام فإذا قال : كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فليس فيه عموم لأنه يجوز أن تجعل خلقناه نعتا لشيء ، ويكون " بقدر " خبرا لكل ، ولا تكون فيه دلالة لفظية على خلق الأشياء كلها ، بل تكون فيه دلالة على أن ما خلق اللّه منها خلقه بقدر . ومثل هذا في الكلام : كل نحوي أكرمته في الدار ، فقد أوجبت إكرام النحويين ، لأن تقديره : أكرمت في الدار كل نحوي أكرمته . قوله : وكيف يختار فيه النصب وقد حال بينه وبين مفعوله . يعني : إذا قلت : كنت زيد ضربته ، فقد وقع زيد ضربته في موضع مفعول كنت ، كأنك قلت : كنت قائما . فإذا كانت الجملة هكذا ، لم تشبه الجملة المعطوفة وهي : ضربت زيدا وعمرا كلمته ، لأن الأول قد نصب مفعوله وعطف الثاني عليه فأجراه مجراه في تسلطه على مفعوله . وأنشد في جواز النصب للمرار الأسدي : * فلو أنها إياك عضتك مثلها * جررت على ما شئت نحرا وكلكلا " 1 " فنصب إياك بإضمار عضت ، والتقدير : فلو أنها عضت إياك مثلها عضتك مثلها . وإن شئت كان التقدير : فلو أنها إياك عضت مثلها عضتك مثلها ، فتقدر الفعل بعد إياك لأنه منفصل كما تقول : إياك ضربت . وإنما يجوز ضربت إياك في الشعر . . قوله : عضتك مثلها كأنه يصف داهية . . والنحر : موضع المنحر والكلكل والكلكال : الصدر . باب من الفعل الذي يستعمل في الاسم ثم يبدل مكان ذلك الاسم اسم آخر اعلم أن حكم البدل أن يكون مكان المبدل منه في العامل ، وليس التقدير فيه أن ينحى الأول عن معنى الإلغاء له ، وإزالة الفائدة به ولكن على معنى أن البدل قائم بنفسه ( غير ) مبين للمبدل منه كتبيين النعت للمنعوت الذي هو تمام المنعوت . فإن قال قائل : فلأي شيء دخل ؟ قيل له : قد يكون للشيء الواحد اسم من معان تشتق له منها تلك الأسماء ، فيجوز أن يشتهر ببعض أسمائه عند قوم ، وببعض أسمائه عند آخرين . فإذا اجتمع الاسمان على طريق بدل أحدهما من الآخر ، فقد بينه بغاية البيان فهذا هو

--> ( 1 ) شرح الأعلم 1 / 75 ، شرح السيرافي 2 / 732 .